السبت، 16 يونيو 2012

تاجر الدخان






بقلم: صلاح الهاشم المحامي





عام 1985 وما بعده، أثارني تقرير طبي نشرته إحدى الدوريات الأجنبية، حول تأثير النيكوتين في المدخنين الصغار. وكشف التقرير - الذي نشرته جريدة صانداي تايمز اللندنية - حملة تسويق بلغت قيمتها بضعة ملايين من الدولارات، شنتها شركة بريتش أوريكان توباكو (BAT)؛ لبيع سجائر رخيصة وشديدة الخاصية الإدمانية في أفريقيا، حيث الأسواق السهلة الخالية من الضوابط - وهي سجائر ذات مستويات من القطران والنيكوتين أعلى مما هو مسموح به في الغرب.نشر هذا التقرير بعد ذلك في كتاب «ردع الديمقراطية»، لمؤلفه نعوم تشومكي - ترجمة فاضل جتكر- الصادر عن مؤسسة عيبال للدراسات والنشر - قبرص - نيقوسيا الطبعة الأولى 1992 ص 130.عند قراءتي لهذا التقرير للمرة الثانية خلال أقل من سبع سنوات، استذكرت حين قدمت محاولة التصدي لهذا الأمر، وفي ذلك الوقت كتبت عدة مقالات منعت من النشر، حيث أكتب لدى جريدة «القبس» آنذاك، ولأسباب لا تخفى عن القارئ من جهة، وحرصا على الرعاية الإعلامية والإعلانات من شركات السجائر من جهة أخرى. بل أذكر - وتلك فكرة خارج سياق المقال - أنني وغيري كان يمنع ما نكتبه عن عدة شركات ومؤسسات للحكومة فيها نصيب، منها البنك الوطني وبيت التمويل والصندوق الكويتي للتنمية ومؤسسة الخطوط الكويتية، بالإضافة إلى شركات سيارات محدودة - وقد تطول قائمة المحظورات الكتابية في ذلك العهد السابق.ما علينا، ونعود الآن إلى الفضيحة حول اختلاف كمية النيكوتين في بلاد العالم الثالث عشر والذين نحن منهم، وبلاد «الأوادم السنعة» الذين يحرصون على ضبط هذه النسب. وعندما بح صوتي من المناداة، قررت اتخاذ إجراء عملي، وهو رفع دعوى أمام القضاء الكويتي؛ لوقف هذه الممارسات. وكان يتعين عليّ توفير المستندات والأدلة لإثبات ذلك، فقمت بشراء عدة علب سجائر من السوق المحلي الكويتي لماركات مختلفة، ثم سافرت إلى لندن، واشتريت ذات النوعية من السجائر، وذهبت إلى أحد المختبرات الخاصة هناك؛ لمقارنة نسب النيكوتين في كلتا السلعتين.وبالطبع، ظهرت النتيجة بما كنت أخشاه، وهي تركيز عال للنيكوتين في السجائر المشتراة من الكويت، والذي يسبب الإدمان السريع للمراهقين، مع نقص شديد للمادة ذاتها في السجائر المشتراة من لندن.فرحت بالنتيجة «فرحة أم بنت» - كما يقولون - وعدت إلى الكويت، ورفعت الدعوى. واختصمت بها بعض شركات السجائر التي ورد اسمها في التقرير.ومن أسف، تم رفض الدعوى لسببين استند إليهما الحكم. الأول: عدم التصديق الرسمي على التقرير من الجهات الحكومية الكويتية، والتي رفضت بتاتا التصديق عليه حين محاولتي ذلك. والثاني: عدم وجود مصلحة مباشرة لي، إذ لم تثبت إصابتي بأي مرض من جراء ذلك، ولاسيما أنني لست مدخنا أصلا.كانت هذه القضية أحد الأسباب الرئيسة التي جعلتني أفكر في إنشاء جمعية حماية المستهلك، وكان قدوتي في ذلك المحامي الأميركي البارز آنذاك «رالف نادر - الذي يرأس حزب الخضر»، حيث كان رئيسا لجمعية حماية المستهلك الأميركية. ومن أسف لم أستطع إقناع أحد بالفكرة، أو جدواها.وبعد مضي أكثر من 25 عاما، دعانا الصديق العزيز محمد نقي إلى إنشاء جمعية مشابهة، فتحمست وذهبت للاجتماع التأسيسي، فوجدت أن أكثر من 45 شخصا من عدد الحضور (البالغ 50 شخصا)، هم من التجار وأصحاب الوكالات التجارية التي أنشئت الجمعية أصلا لحماية المستهلك منهم.ومنهم - لسخرية القدر- أبناء من كانوا يملكون ولايزالون وكالات السجائر.وحتى تاريخه، لايزال المدخنون المحترفون يشعرون بقوة وحرارة السيجارة ذات الماركة حين يشترونها من الكويت، وحين يدخنونها في بلد الأوادم السنعة، وما زلت أرى وأشاهد - بكل حزن - مجاميع الشباب والشابات دون سن العشرين وهم يتباهون بالتدخين؛ حتى يصلوا إلى مرحلة الإدمان من دون أن يحرك أحد ساكنا، ولاسيما وزارة التجارة أو حتى.. لجنة الظواهرالسلبية بمجلس الأمة!


تاريخ النشر: 25/12/2011 09:19






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق