السبت، 22 فبراير 2014

دورة المجاهدة .. وسر الأربعين


وسط معترك الحياة الآسن وغيها الآثم، وفي خضم انشغال الإنسان بالماديات والمحسوسات، وبعده عن القيم والروحانيات . يران على القلوب فتصدأ، وتمسى مرآتها بلا فائدة ولكن ماذا إذا قال الإنسان هل من عودة، ليجلو فيها هذا الصدأ ؟ نقول له : أعدد لنفسك دورة روحانية للمجاهدة، ولتكن أربعين يوما وليلة .
فلماذا الأربعون ؟ وما سر الأربعين ؟  

قال عمر لرجل : كم رابطت ؟ قال : رابطت ثلاثين، قال : ألا رابطت أربعين ! فالأربعون إذا لها ما يستأنس إليه، إنها أربعون يوما وليلة  سيقضيها المسلم الذي يريد العودة إلي فطرته ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) ( الروم : 30 )،  وسيحيا بين الناس  بأقل قدر من الخلطة مع عدم التفريط في الواجبات، وتقليل ما يدخل بطنه من اللقيمات، وترتيب الكلام، بحيث لا يقول إلا ما يلزم، هذا مع ترتيب أمور العلم، والصلاة، والصوم، والأوراد، وإذا تم كل ذلك مع انشغاله بقضية عمل يخدم به دعوته، أو مع برنامج عملي مكثف، فان هذه الدورة الروحية سيكون مردودها كبير  بإذن الله، ولم لا  أليست سلعة الله غالية ؟
إننا نتحدث عن دوره للمجاهدة، مقدارها أربعون،لما استأنسناه من النصوص في هذا المجال، ولعل الأربعين سرا لا نعرفه .

1 – إن بداية الفطرة تبدأ بالأربعين ، فعن ابن مسعود (رضي الله عنه) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) : "  إن أحدكم  ليجمع خلقه  في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم ليرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات :  رزقه وأجله وعمله وهل هو شقي أو سعيد " (1) .

2-  وروى الإمام مسلم في صحيحة  كما أخرج الإمام أحمد في مسندة حديثا عن حذيفة ابن أسيد الغفاري قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) " يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين ليلة فيقول : يارب ماذا، شقي أم سعيد ؟ وذكر أم أنثى ؟ فيقول الله، ويكتبان، ويكتب عمله وأثره، ومصيبته، ورزقه، ثم تطوى الصحيفة، فلا يزاد على ما فيها ولا ينقص (2) .

3- عندما واعد الله موسى (u) بميقات تم بعده الكلام مع رب العزة، فإنما واعده ( أربعين ليلة ) .
يقول الله تعالى في سورة البقرة : ) وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ( ( البقرة :51 ) .
فلابد أن للأربعين  سرا لا نعرفه فخلالها تتم المجاهدة، وتتعمق المكابدة، وبعدها تبدأ المعارف، ويعرف بها الإنسان من جميل اللطائف .
لقد صام  موسى ثلاثين ذي القعدة، وأتمها بعشر من ذي الحجة ليتم ميقات الله أربعين .
قال ابن عباس ومجاهد ومسروق : الأربعون ليلة : هي ذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، أمره اله أن يصوم الشهر وينفرد فيه بالعبادة، فلما صامه أنكر  خلوف فمه، فاستاك فقالت الملائكة : إنا كنا نستنشق من فيك رائحة المسك، فأفسدته بالسواك، فزيد عليه عشر ليال من ذي الحجة .
وقيل : إن الله أوحى إليه لما استاك : " يا موسى لا أكلمك حتى يعود إليك فوك إلي ما كان عليه قبل، أما علمت أن رائحة الصائم أحب إلي من ريح المسك "، وأمره بصيام عشرة أيام، وكان كلام الله تعالى لموسى غداة النحر حين فدى إسماعيل من الذبح، وأكمل لمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) الحج، أو الدين .

4-  ولم لا يكون شهر رمضان للمسلمين دورة روحية للمجاهدة بالصيام، والقيام، هو عند الله ثلاثون يوما وليلة، وحبذ رسول الله ( رضي الله عنه ) إتمام هذه الدورة بست من شوال  ليكتمل الدهر كله، وكأن الدورة الروحية على عتبة الأربعين، ولكنها أكملت الدهر فحققت المقصود بغية التقرب إلى المعبود .
عن ثوبان مولى النبي ( صلى الله عليه وسلم )  قال : قال (صلى الله عليه وسلم) : " جعل الله الحسنة بعشر أمثالها، فشهر رمضان بعشرة أشهر، وستة أيام بعد الفطرة تمام السنة " (2) .
وروى مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي أيوب الأنصاري قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) : " من صام  رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان له كصيام الدهر " (4) .
كما روى مسلم عن أنس عن النبي (صلى الله عليه وسلم ) :" لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع المتعمقون تعمقهم " (5).
قال القرطبي : أي ما أرادوه من التشديد على أنفسهم من أمور المجاهدة والمكابدة . 

5-  يتضح أمر المجاهدة في دورة روحية مقدارها  أربعون يوما وليلة في الحديث الحسن الذي رواه  الترمذي عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : " من صلى أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان : براءة من النار، وبراءة من النفاق " (6).
كما روى ابن ماجه والترمذي عن عمر عن النبي (صلى الله عليه وسلم)  قال : " من صلى في مسجد جماعة أربعين ليلة لا تفوته الركعة الأولى  من صلاة العشاء كتب الله له عتقا من النار " (7).

6-  هذا في الأعمال الصالحة، كذلك فيما يغضب الله تعالى، لا يتقبل الله من الانسان  مدة أربعين يوما وليلة، بل إن صلاح الانسان أربعين ليلة يجعله مستجاب الدعوة :
روى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) قال لسعد بن أبي وقاص حينما سأله أن يكون مستجاب الدعوة :" يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه عمل أربعين يوما، وأيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به "(8) .
وقد قيل : إن التخلص من علائق الغذاء في الأحشاء والدماء والأوصال يستمر أربعين يوما، بعدها يطهر الانسان من أثر هذا النوع من الغذاء .
وعن سهل بن عبدالله قال : من أكل الحلال  أربعين صباحا أجيبت دعوته .

7-  ولقد جعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) للخير أربعين خصلة، وجعل أعلاها ما ورد في هذا الحديث الصحيح الذي رواه البخاري : عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال : قال (صلى الله عليه وسلم) : " أربعون خصلة  أعلاها  منيحة العنز، ما من عامل يعمل  بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها، إلا أدخله الله بها الجنة "(9).
والمنيحة  هي التصدق بالعنزة  لمن أراد الاستفادة بلبنها، ثم يردها .

8-    سن الأربعين هو السن الذي  يستوي فيه الحكم على الأشياء في عقل الرجل، ولا تعجب إذا كانت النبوة والرسالات تعطي للأنبياء في سن الأربعين (10).
يقول ابن كثير : ابن الأربعين  لا يتغير غالبا  عما يكون عليه، وفي الأربعين يتناهى العقل، ويكمل الفهم والحلم، وتقوى الحجة .
ويقول  القرطبي " من بلغ الأربعين فقد آن له أن يعلم مقدار نعم الله عليه وعلى والديه ويشكرهما : ) حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة  قال رب أوزعني  أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وان أعمل صالحا  ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك واني من المسلمين (( الأحقاف :15) .

9-  فلماذا لا يكون إذا سن الأربعين  بداية أيضا للتوبة وتمام الرشد، كما يذكر من بلغ الأربعين ( في آية الأحقاف ) درسا للناس وعظة واعتبارا .
يقول مالك : أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يطلبون الدنيا، ويخالطون الناس حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة فإذا آتت عليهم اعتزلوا الناس .
وقيل لمسروق : متى يؤخذ الرجل بذنوبه ؟ قال : إذا بلغت الأربعين فخذ حذرك .
وروى أبوعبيدة عن الحسن قال : " من جاوز الأربعين ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلي النار " .
وعن عثمان عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال : " العبد المسلم إذا بلغ أربعين سنة خفف الله تعالى حسابه، وإذا بلغ ستين سنة رزقه الله الإنابة إليه، وإذا بلغ سبعين سنة أحبه أهل السماء، وإذا بلغ ثمانين سنة ثبت الله تعالى حسناته، ومحا سيئاته، وإذا بلغ تسعين سنة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشفعه في أهل بيته، وكتبه في السماء أسير الله في أرضه " (11) .

سن الأربعين يتناهى فيها عقل الانسان، ويكمل فهمه وحلمه، وتقوى حجته، ويتم رشده، وهو السن الذي يستوي فيه الحكم على الأشياء في عقل الرجل


وقال الحجاج بن عبدالله الحكمي أحد أمراء بني أمية  بدمشق : تركت المعاصي والذنوب أربعين سنة حياء من الناس، ثم تركتها حياء من الله عز وجل .
وما أحسن قول الشاعر :
صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه       فلما علاه قال للباطل ابطل

10-   وفي الختام مازلت  لا أعرف السر في تحذير الرسول (صلى الله عليه وسلم ) الشديد من المرور بين يدي المصلي وهو في حضرة الربوبية، يعايش جمال الألوهية، يسكب الدمع، ويبل الثري ساجدا لله وهو في قمة الذل لله والعبودية، فهل بعد ذلك  من مرور لأي إنسان  لاه عابث، يقطع على المصلى هذه الحضرة الروحية .
إن  رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يحذر المسلم، ويدعوه للوقوف احتراما وإذعانا، ولو أربعين، أي أربعين ؟ لا ندري كما قال راوي الحديث (ابن الصمة الأنصاري ): " لو يعلم المار بين يدي المصلى ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه " (12) .
قال الراوي : لا أدري  قال أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين سنة، ألم أقل لكم إن للأربعين سرا لا نعرفه فلتكابدوا أنفسكم ولتجاهدوها أربعين يوما وليلة، وسوف ترون العجب، يقول معروف الكرخى : يا نفسي أخلصي تتخلصي .

الحواشــــــــــــــــي :

1-  البخاري 4/8،135/152، مسلم : القدر 1/2 الترمذي 2137 مسند الإمام احمد 1/382، 430، الدر المنثور للسيوطى 4/344،  ابن كثير 5/461 القرطبى 1/12،194/7حلية الأولياء لأبى نعيم 8/244 الطب النبوي للذهبي 148، جمع الجوامع للسيوطى 6111، كنز العمال للمتقى الهندي 576، 524 السنن الكبرى للبيهقى  1 / 138، 7 / 421، 10/266 .
2-  مسلم 2644 أو القدر2، الإمام احمد 4/7، المعجم الكبير للطبراني 3/195، الشريعة للاجرى 3/278،كنز العمال 522، ابن كثير 5/ 391 .
3-    مشكل الآثار للطحاوى 3/119، الترغيب والترهيب للمنذرى 2/110، كنز العمال 24213، القرطبى 2/331 .
4-    مسلم 204/1164، سنن أبى داوود كتاب الصيام باب 57 ( 2078 ) الترمذي 759، سنن ابن ماجه 17165 .
5-    مسلم 776، إتحاف السادة المتقين للزبيدى  4/264، القرطبى 12/165 .
6-    سنن الترمذي 241، علل الحديث لابن أبى حاتم الرازي  1/435، وبمعناه في الترغيب والترهيب للمنذرى  4/263 .
7-    ابن ماجه 798، الترغيب والترهيب 1/263، إتحاف المتقين للزبيدى 3/16، كنز العمال 20278، 19471 .
8-    الترغيب والترهيب 2/547، مجمع الزوائد للهيثمى 291، إتحاف المتقين للزبيدى 5/41، ابن كثير  1/292 .
9-  البخاري  3/217، سنن أبى داوود 1683، الترغيب والترهيب للمنذرى  3/429، كنز العمال 16331، كما ذكر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) في الحديث الذي رواه ابن عباس فضلا للأربعين في خبر آخر في قوله :" ما من رجل يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه " رواه مسلم (59/948 ).
10-الحديث الشريف في ذلك :" ما من نبي إلا نبئ بعد الأربعين " إتحاف المتقين 1/466، كشف الخفاء للعجلونى  2/271، الدرر المنثورة للسيوطى 139 .
والحديث :" "بعث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) لأربعين سنه " البخاري : مناقب الأنصار، 45، اللباس  68 .
11-مسند الإمام احمد  /5594، 12866 .
12-البخاري 1/ 136  ، مسلم : الصلاة ب 48 رقم 261، سنن أبي داود 701، سنن الترمذي 336، سنن النسائي : القبلة ب 8 مسند الإمام أحمد 4/169، السنن الكبرى للبيهقي 2/268، مجمع الزوائد للهيثمي 2/61، مشكاة المصابيح للتبريزي 776، شرح السنة للبغوي 2 / 454، الترغيب للمنذري 1/376، تجريد  التمهيد لابن عبدالبر 140، فتح الباري لابن حجر العسقلاني 1/ 584، المغنى عن حمل الأسفار للعراقي 18183، موطأ الإمام مالك 154 .


بقلم / المنشاوى الورداني
                                                                            مترجم
                                                                           بالتليفزيون المصري 



الأربعاء، 5 فبراير 2014

مقال (روح الإسلام )؟! للأديب محمد عوض محمد.



(منذ سنوات كنت أذلب العلم في جامعة ليفربول،وفي ذلك الوقت كنت عاهدت نفسي وعصبة من الرفقاء منذ نزلنا بلاد الإنكليز على ألا نألوا جهدا في إفهام القوم أمر بلادنا،وإطلاعهم على مالنا من تاريخ مجيد وثقافة جليلة،فكنا نرحب بكل من جاء يستطلع منا خبرا،أو يستفتينا في أمر يمت إلى الشرق بسبب.
وفي يوم من الإيام بعد انصرافي من إحدى المحاضرات ابتدرتني طالبة من الطالبات بالسؤال الآتي:
هل تستطيع أن تخبرني في كلمة واحدة أو في كلمات قلائل ما هو روح الإسلام؟!
أدهشني السؤال لأول وهلة،ومظرت إلى السائلة نظرت الحائر المستفسر!.
فأدركت أن في السؤال شيء من الغموض
فقالت(إننا-مثلا-نرى أن روح المسيحية يتمثل في لفظ واحد وهو الحب ،فهذا هو لب لباب ديننا والأساس الذي شيدت عليه صروح المسيحية كلها،فما من عقيدة ولا شعائر ولا تعاليم إلا والحب محورها الذي تدور حوله،ولا تكترث لما قد تراه مخالفا لذلك فما هو من المسيحية في شي).
فقلت(إنك إذن تريدين مني كلمة واحدة أو كلمات قلائل تكون من الإسلام بمثابة كلمة الحب من المسيحية).
فقالت( أجل فقد يكون روح الإسلام مثلا العدل أو القوة…).
فأطرقت قليلا وانا أمعن في التفكير لعلي أهتدي إلى جواب ترضاه وأرضاه.
وخطر لي أن أشرح لها أن للإسلام أركان خمسة ،لكني ذكرت أن في المسيحية أيضا صلاة وصيام ،وخشيت أن تقول لي أن هذا من الدين بمثابة الجسم وأنها تبحث عن الروح.
قلت لها في صراحة(إني ما خطر لي يوما أن ابحث عن كلمة واحدة تؤدي كل هذا المعنى الجليل الخطير.
وأنتم معشر الإنكليز قوم تحبون تبسيط كل مسألة.
ومع هذا أمهليني أتدبر الأمر أو أسأل أهل الذكر،فلا خير في جواب عاجل لا ينطوي على الصواب).
في مساء ذلك اليوم جلست في حجرتي مطرقا ،مسندا رأسي على يدي،محدقا في مصطلى تشتعل فيه النار،كأنما كنت ألتمس الإلهام من لهيبها المندلع وقبسها المضطرم
وأطفأت المصابيح كي لا يلهيني ما بالحجرة من أثاث أوصور….
لم أكن-علم الله-من الملمين بعلوم الدين،وكنت أحس من نفسي عجزا وقصورا عن معالجة المسألة ،ولكني رغم هذا رأيت أن أحاول معالجتها ما استطعت إلى ذلك سبيلا.
وجعلت أجهد فكري أيما اجهاد،وخيل لي أني أرى أمامي سبلا كثيرة فجعلت أسلك كلا منها،ولا أزال أتبعه إلى نهايته ثم أعود فأسلك طريقا آخر فأجتازه إلى غايته،وكانت كل خطوة تدفعني إلى خطوة أخرى حتى أبلغ نهاية المرحلة…
وهكذا سلك في تفكيري وبحثي طرقا شتى،وعجبت إذ ألفيتني أصل في كل مرة إلى غاية واحدة ويسلمني البحث إلى شيء واحد،فقد كان ينتهي بي التفكير دائما إلى التوحيد!!.
لعل روح الإسلام إذن هو التوحيد…وهل أراني بلغت الغاية حين رست بي سفينة التفكير على ذلك الساحل الأمين؟!.
أليس التوحيد أن يقصد الناس بجسدهم وبروحهم وجه الإله؟!،ولا ينصرفوا عنه إلى سواه،وألا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ،وأن نرتفع بأنفسنا عن عبادة تلك الأوثان البشرية وعبادتها ذل وإثم،وهي تمثال ما بالعالم من شر ونجس.
أليس التوحيد هو الذي يرتفع بنا عن عبادة المال والتكالب على جمعه ،وعبادة الشهوات التي تسترقنا وتذلنا…أليس التوحيد إذن هو الذي يعلو بنا عن كل دنيء مهين
،ويرقى بنا إلى سماء كلها طهر وصفاء؟.
فيم التردد إذن إن روح الإسلام هو التوحيد!!.
جالت بفسي هذه الخواطر وجعلت أرددها في صدري مرارا فلا تزداد إلا رسوخا وثباتا.
وخيل إلي أني اهتديت إلى إجابة صريحة -لا لبس فيها ولا ابهام-على السؤال الذي سئلته صباح ذلك اليوم.
وكنت أخشى ألا ألتقي بصاحبة السؤال إلا بعد أيام فأردت أن أرسل لها الجواب في طي كتاب.
فتناولت قلما وورقا وأوقدت المصابيح،وجعلت أسطر ما جال بخاطري في شيء من الإسهاب والتفصيل؛كي لا يبقى في صدر القارئة ذرة من الشك في صحة ما استقر عليه رأيي.
وأعدت تلاوة الكتاب مرارا واطمأننت إلى أنه يؤدي كل ما جال بنفسي أحسن الأداء.
وكنت بهذا فرحا طروبا،ثم طويت الكتاب ،ونهضت لاحمله إلى دار البريد.
في تلك الساعة كان المطر ينهمل مدراراً.فجلست إلى جانب النافذة انتظر علّه يكف أو يسكن قليلا…وجعلت أنظر إلى خارج الدار أتأمل الغيث إذ يتساقط على أحجار الشارع الملساء،والضباب الخفيف وقد انتشر في سائر الأرجاء،والمصابيح وهي تبدو ضئيلة فاترة خلال الضباب والغيث ،وكأنها أشباح اليقين وسط دياجير الشك.
لم يطل تأملي لذلك المنظر حتى عاد بي الخاطر إلى موضوع الكتاب الدي بيدي…وانتقل بي التفكير من الإسلام إلى البلاد التي تدين بالإسلام…وجعلت أنظر بعين الوهم إلى تلك الأفكار ،التي يفصل بيني وبينها آلاف الأميال.وأخذت ترتسم أمامي صورتها شيئاً فشيئاً…
ليت شعري ماذا في بلاد الإسلام من روح الإسلام ؟!!وماذا في بلاد التوحيد من التوحيد؟.
غشيني شيء من الذهول…ورسم الوهم أمام عيني صورة مروعة مفظعة هائلة لتلك الأقطار القاصية…
رأيت البلاد قد حلق فوقها عقاب البغي باسطاً عليها جناحيه ومنشباً فيها أظفاره،وقد خضعت لسلطانه الرقاب ،وعنت لخشيته الوجوه،وهلعت الأفئدة وذلت الأعناق ورغمت الأنوف!.
وانطلقت الأفواه تسبح بحمده،وتمجده،وهو لا يزداد إلا بغيا وعتوا، والأعناق لا تزداد إلا خشوعا وذلا.
وتبدلت الرؤيا بعد ذلك…فأبصرت هيكلا عظيم البناء،لا يبلغ الطرف مداه .ورأيت الناس منطلقينإلى أبوابه الكبيرة،ليقيموا الشعائر…زمر تسعى إثر زمر…جموع تتجاذب وتتدافع ،ويموج بعضها في بعض؟!…ولا تكاد الأبواب تحتويهم على سعتها…
ثم انكشف الغطاء وأبصرت ما بداخل الهيكل…فإذا أوثان هائلة ،قد نصبت في أرجاء الهيكل…ومن دون كل صنم مذبح عظيم تقدم إليه القرابين ،ويحرق عنده البخور ،والناس من حولها بين قائم وقاعد وركع وساجد…
نظرت ذات اليمين فإذا صنم جبار أصفر اللون،براق لامع،ما شككت في أنه (مامون)إله النضار.إن لم تنم عنه صورته فقد نم عنه رواده وقصاده.
جنود مجندة وكتائب محتشدة .قد أقبلت على عبادته بأيد ممدودة ،ووجوه تفيض شرهاً وجشعاً.
وقد حمل كل عابد قربانه.هذا يقرب الشرف،وذاك يذبح الدين،والآخر يقدم الوفاء والميثاق ،وذلك يقرب وطنه الذي نماه وغداه،وصاحبه يقدم الأهل الذين انجبوه…وهاهنا شخص يحرق ضميره ومبدأه بخوراً…وهناك آخر يضحي بما لديه من عفاف وكبرياء…
وكأن ليس في العالم شيء أعز وأكبر من أن يكون قربانا لذلك الصنم الهائل الدميم…الذي كان يقبل القربان حيناً،ويزورُّ عن عبادته أحياناً،فلا يزيدهم نفوره وازوراره إلا تهالكاً عليه،وغلوا في عبادته،واكثاراً من الضحايا والقرابين…
ثم نظرت إلى أطراف الهيكل فأبصرت جموعاً أخرى عاكفةً على أوثانٍ أخر:هاهنا إله الشهوات وقد احتشدت عبيده من حوله وهنالك وثن المناصب والجاه والناس من حوله ركع سجود…وفي هذه الناحية وتلك شكول وضروب من أصنام يكاد يخطئها العد،ويعجز عنها الوصف.
وألفيت نفسي بعد قليل أتنفس الصعداء،وقد انجابت عن عيني تلك الرؤيا،ولم يبق أمام ناظري سوى الغيث المنهمر،والضباب المنتشر،وضوء المصابيح الضئيلة.
وابثت برهة واجما ساكنا:وقد أمتلأت نفسي حزنا وغما……
ثم نهضت ببطء شديد ،وأغلقت النافذة وأسدلت الستر وعدت إلى مجلسي بجانب الموقد…
وأمسكت بيد مرتجفة ذلك الكتاب الذي تعبت في تسطيره وتحبيره…
وأحسست بقطرات تنحدر على خدي …فتناولت منديلي ومسحتها…ولعلها من قطرات ذلك الغيث أصابت وجهي وأنا جالس لدى النافذة…!!
ألفيت الفتاة بعد أيام ،أعادت السؤال فقلت إن كان روح النصرانية الحب،فإن روح الإسلام التوحيد!!!!!!.‏