الاثنين، 25 يونيو 2012

العرب في عين يابانية.. متدينون جداً... فاسدون جداً!!




قرأت هذا المقال قبل اندلاع الثورات في العالم العربي بأسابيع قليلة.. أحسست بغصة وألم وأذهلتني القراء العميقة من هذا الرجل الياباني لأحزان الإنسان العربي وخوفه وليله الطويل..

هناك مايبرر أسئلة كثيرة من نوع: لماذا العربي يروي لك نكتة فاجرة ثم يتبعها بحديث شريف!.. يعظك موعظة في الخلق الحسن والأدب، ثم تجده يتصرف في الشارع بقلة أدب..
(ع.المسعودي)







هو كتاب  لم يلفت الانتباه بشكلٍ كافٍ، للياباني نوتوهارا   حول "العرب من وجهة نظر يابانية"؛
يكتب
 نوتوهارا ، بعد أن تعرف على العالم العربي منذ العام 1974 وزار العديد من بلدانه وأقام فيها لفترات، انطباعاته المحايدة عن هذا العالم. ومن اللافت أن أول ما يقوله عن عالمنا العربي: "أن الناس في شوارع المدن العربية غير سعداء، ويُعبر صمتهم عن صرخة تُخبر عن نفسها بوضوح". وهو يُعيد هذا الشعور إلى غياب العدالـة الاجتماعيـة، لأنها أول ما يقفز إلى النظر. وهذا ما يؤدي في نظره إلى الفوضى. كما أنه يُلاحظ كثرة استعمال العرب لكلمة "ديموقراطية"، وهذا لا يُعبر سوى عن شيء واحد: عكسها تماماً، ألا وهو القمع وغياب الديموقراطيـة. ولهذا القمع وجوه عِدة: منع الكتب، غياب حرية الرأي وحرية الكلام وتفشي ظاهرة سجناء الرأي.

ويُشير 
 نوتوهارا ، كمراقب أجنبي، أن العالم العربي ينشـغل بفكرة النمط الواحد، على غرار الحاكم الواحد؛ لذلك يُحاول الناس أن يوحدوا أشـكال ملابسـهم وبيوتهم وآرائهم. وتحت هذه الظروف تذوب اسـتقلاليـة الفرد وخصوصيتـه واختلافـه عن الآخرين. يغيب مفهوم المواطن الفرد وتحل محلـه فكرة الجماعـة المتشـابهـة المطيعـة للنظام السـائد.

وعندما تغيب اسـتقلاليـة الفرد وقيمتـه كإنسـان يغيب أيضا الوعي بالمسـؤوليـة: عن الممتلكات العامـة مثل الحدائق أو الشـوارع أو مناهل المياه ووسـائل النقل الحكوميـة والغابات
 باختصار كل ما هو عام  والتي تتعرض للنهب والتحطيم عند كل مناسـبـة...

ويجد 
 نوتوهارا  أن الناس هنا لا يكترثون أو يشعرون بأي مسؤولية تجاه السجناء السياسيين؛ الأفراد الشجعان الذين ضحوا من أجل الشعب، ويتصرفون مع قضية السجين السياسي على أنها قضية فردية وعلى أسرة السجين وحدها أن تواجه أعباءها. وفي هذا برأيه أخطر مظاهر عدم الشعور بالمسؤولية. يُعطي مثلاً عن زياراته الخمس لمدينـة تدمر في سوريا دون أن يعرف أن فيها سجناً مشهوراً، وهو حتى الآن لا يعرف موقع هذا السجن بسبب الخوف الذي يُحيط به بالطبع. فعند السؤال عن سجن ما يخاف الشخص ويهرب، وكأن الأمر يتعلق بسؤال عن ممنوع أو محرم...!!!

الخوف يمنع المواطن العادي من كشف حقائق حياته الملموسة، وهكذا تضيع الحقيقة وتذهب إلى المقابر مع أصحابها.
الناس في العالم العربي "يعيشون فقط" بسبب خيبة آمالهم وبسبب الإحساس باللاجدوى أو اليأس الكامل، وعدم الإيمان بفائدة أي عمل سياسي.
في العالم العربي يستنتج الشخص أفكاره من خارجه، بينما في اليابان يستنتج الناس أفكارهم من الوقائع الملموسة التي يعيشونها كل يوم، وهو يتابع: في مجتمع مثل مجتمعنا نُضيف حقائق جديدة، بينما يكتفي العالم العربي باستعادة الحقائق التي كان قد اكتشفها في الماضي البعيد. والأفراد العرب الذين يتعاملون مع الوقائع والحقائق الجديدة يظلون أفراداً فقط ولا يُشكلون تياراً اجتماعيا يؤثر في حياة الناس.

يُشير هنا إلى التجربة اليابانية التي عرفت أيضاً سيطرة العسكر على الإمبراطور والشعب وقيادتهم البلاد إلى حروب مجنونة ضد الدول المجاورة انتهت إلى تدمير اليابان. وتعلم الشعب الياباني أن القمع يؤدي إلى تدمير الثروة الوطنية ويقتل الأبرياء ويؤدي إلى انحراف السلطة.

"لكن اليابانيين وعوا أخطاءهم وعملوا على تصحيحها وتطلب ذلك سنوات طويلة وتضحيات كبيرة، وعوا أن عليهم القيام بالنقد الذاتي قبل كل شيء وبقوة. الإنسان بحاجة إلى النقد من الخارج ومن الداخل مهما كان موقفه أو وظيفته الاجتماعية أو الهيئة التي ينتمي إليها، إن غياب النقد يؤدي إلى الانحطاط حتى الحضيض".

وهو يكتب: 
"كثيراً ما وُجهت بهذا السؤال في العالم العربي: لقد ضربتكم الولايات المتحدة الأمريكية بالقنابل الذرية فلماذا تتعاملون معها؟ ينتظر العرب موقفاً عدائياً عميقاً من اليابانيين تجاه الولايات المتحدة الأمريكية. ولكن طرح المسألة على هذا النحو لا يؤدي إلى شيء، علينا نحن اليابانيين أن نعي أخطاءنا من الحرب العالمية الثانية أولاً، ثم أن نُصحح هذه الأخطاء ثانياً. وأخيراً علينا أن نتخلص من الأسباب التي أدت إلى القمع في اليابان وخارجها. إذن المشكلة ليست في أن نكره أمريكا أولاً؛ المشكلة في أن نعرف دورنا بصورة صحيحة ثم أن نُمارس نقداً ذاتياً من دون مجاملة لأنفسنا. أما المشاعر وحدها فهي مسألة شخصية محدودة لا تصنع مستقبلاً.

في اليابان، بعد الحرب العالمية الثانية، 
"مد الياباني يده إلى الأمريكي يطلب مادة متوافرة عند الآخر. وقتئذٍ كان شعورنا غير واضح، فمن جهة لم يكن عاراً علينا أن نأخذ ممن يملكون ولكن من جهة ثانية، لم تكفّ نفوسنا عن الاضطراب والتوتر الداخلي، والشعور بالحرج، عرفنا معنى أن لا نملك ومعنى الصدام بين ثقافتين أو الاحتكاك بينهما".

يُشير المؤلف إلى الكاتب المصري يوسف إدريس الذي تعرف على المجتمع الياباني وكان يتساءل دائماً عن سر نهضة اليابان وتحولها من بلد صغير معزول إلى قوة صناعية واقتصادية، إلى أن حدث مرة أن راقب عاملاً فيما هو عائد إلى فندقه في منتصف الليل يعمل وحيداً وعندما راقبه وجده يعمل بجد ومثابرة من دون مراقبة من أحد وكأنه يعمل على شيء يملكه هو نفسه. عندئذ عرف سر نهضة اليابان؛ إنـه الشـعور بالمسـؤوليـة النابعـة من الداخل من دون رقابـة ولا قسـر. إنه الضمير أكان مصدره دينياً أو أخلاقياً. وعندما يتصرف شعب بكامله على هذه الشاكلة عندها يمكنه أن يُحقق ما حققته اليابان.

ومن الأمور التي لفتت نظره في مجتمعاتنا، شيوع القمامة في الشوارع، مع أننا نُعد أنفسنا من أنظف شعوب العالم ونتباهى أن صلاتنا تدعونا للنظافة
..!! فهل يقتصر مفهوم النظافة على الشخص والمنزل فقط لقد دُهش (نوتوهارا) مرة عندما زار منزل صديق له في منطقة تُعاني من سوء نظافة شديد كيف أن الشقة كانت كأنها تنتمي إلى عالم آخر. الناس هنا لا تُحافظ على كل ما هو ملكيـة عامـة، وكأن الفرد ينتقم من السـلطـة القمعيـة بتدمير ممتلكات وطنـه بالذات.

وتدعم دراسة أخرى هذه الملاحظات، فيظهر لدى الكبار في السن من العرب توجهاً أوضح لتعليم أطفالهم احترام كبار السن، والحاجة إلى تحصيل حياة أفضل واحترام الذات، بينما تتأخر قيم أخرى مثل المسؤولية والاعتماد على الذات وتقبل الآخرين  
وهي التي وضعها عرب أمريكا في أعلى سلم خياراتهم
 .  وتُبين هذه الدراسة إعطاء أهمية كبيرة للدين في كل من الأردن والسعودية والمغرب ومصر، أي أكثرية العرب!  فيجد المصريون والسعوديون أن تعليم الدين يُعد أهم قيمة لتعليم الأطفال. كذلك اختار المغاربة تعليم الدين والطاعة ليمنحوهما أعلى درجات، وكانت قيمة احترام الذات من أدناها".

والمشـكلـة ليسـت في تعليم الدين بالطبع، لكن سـؤالنا متى لم يكن تعليم الدين أولويـة في عالمنا
؟ وما دام الأمر كذلك فلماذا نحن على هذه الحال؟ وأين القوى والحِـس بالمسـؤوليـة والضمير الديني بينما يتفشـى الفسـاد إلى هذه الدرجات المخيفـة المشـكلـة إذن كيف يتم تعليم الدين وعلى أي قيم دينيـة يتم التركيز؟


ومن المشاكل التي نُعاني منها، ويُشير إليها  نوتوهارا  ما يُسميه الموظف المتكبر يكتب: "يواجه الياباني في المطار الشعور بالإهانة أمام طريقة تعامل الموظفين مع المسافرين وإيقافهم بأرتال عشوائية وتفضيلهم السماح لبعض الشخصيات المهمة بالمرور أمام نظر جميع المسافرين". وهذا الأمر لا يواجه الياباني فقط بل يواجهه كل مواطن عربي غير مدعوم بواسطة أو معرفة موظف ما. كذلك يندهش الأجنبي من مسألة الغش المتفشية في بلادنا، ويُشير إلى غش موظفة مصرف تعرّض له في تبديل العملة، فهو لم يفكر بعدّ النقود بعدما استلمها واستغرب أن تسرقه وهي كانت لطيفة معه ومبتسمة!!

مرة طلب منه موظف مبلغاً من المال في مطار عربي، فأعطاه إياه معتقداً أنه رسوم، لكن نقاش زميل للموظف وتوبيخه له جعله يعتقد أن في الأمر سوء استخدام وظيفة. لكن بعد ذلك ترك الموظف زميله ومشى دون أن يفعل أي شيء. إنه الصمت المتواطئ ـ لا دخل لي ـ الذي يؤدي إلى غياب أي رقابة وإطلاق الحرية للفاسدين. لذا لا نعود نُدهـش عندما يسـرد لنا كيف عرض عليـه موظف متحف شـراء قطع آثار قديمـ
ة!
لكنـه كياباني لم يسـتطع أن يُصدق كيف أن موظفاً اختاره وطنه ليحرس آثاره يخونـه ويخون شـرفـه وتاريخـه ويبيع آثاراً تركها أجداده منذ آلاف السـنين...!!!

ويروي على لسان صديق له ياباني وله وجه مبتسم كيف أنه لما مرَّ أمام منزل مسؤول صفعه الحارس ظناً منه أنه ربما يضحك عليه. موظف السفارة اليابانية قال له: 
"أشكر ربك أنه اكتفى بصفعك"!، يرى في ذلك تواطؤا غير مبرر ولا يليق ببعثة أجنبية. وأكثر ما يُثير دهشة كاتبنا الياباني اعتياده على أن رئيس الوزراء الياباني يتغير كل سنتين لمنع أي شكل من أشكال الاستبداد، فالحكم الطويل يُعلم الحاكم القمع، بينما في البلاد العربيـة يظل الحاكم مدى الحياة...!!!

الحاكم العربي يتمتع بامتيازات ما قبل العصور الحديثة واستثناءاتها. ومهما كان الفرد استثنائيا فإن مهمات قيادة الدولة أوسع من أي فرد استثنائي. فالحاكم عنده مهمة أكبر من الإنسان العادي بينما قدرته محدودة. الفرد الذي يفشل في تحمل مسؤوليته يُغيّر ويُحاسب. والحاكم مثل أي مواطن آخر، فهناك مساواة فعلية أمام القانون، ويُعطي مثال سجن رئيس وزراء ياباني واعتقاله كأي مواطن ياباني عندما اكتشف ضلوعه في فضيحة 
 لوكهيد . لا شيء يحمي الفرد إذا كان مذنباً. ومع ذلك نجد أن ابنته الآن عضو بارزة في البرلمان، مما يعني أنه لم يحل ذنب والدها في وصولها بكفايتها إلى ما هي عليه.

إن أكثر ما أثار دهشته كيف أن الحاكم العربي يُخاطب مواطنيه: بـ 
"يا أبنائي وبناتي!" الأمر الذي يُعطيه صفة القداسة وواجب طاعته. وهو بهذا يضع نفسه فوق الشعب وفوق النظـام والقانون، ويحل محل الأب ويتخذ صفة الإله الصغير.

أما عن تعاملنا مع أطفالنا، فهو يُشير إلى وجود الاعتداء الجنسي ـ الذي لم يُفصّله نظراً إلى حساسيتنا تجاه الموضوع ـ واكتفى بلفت النظر إلى مسألة ترك الأولاد في الشوارع من دون رقابة الأهل. لا يمكن في فرنسا أو أي بلد مماثل رؤية أولاد في الشارع من دون مرافقة بالغين. ناهيك عن شيوع استعمال الضرب في المدارس وسماع بكاء الأطفال.

ربما يجعلنا ذلك نتأمل في أنفسنا ونقوم بنقدها على نحو جذري كي نعرف مكامن الخلل في قيمنا وسلوكنا ونظامنا التربوي ولكي نُحاول اللحاق بمتطلبات عصر لن يقف منتظراً أن نجهز لدخوله، فليس كل الحق على
... الأمريكان أو الطليان...





تلخيص وترجمة: منى فياض

السبت، 16 يونيو 2012

تاجر الدخان






بقلم: صلاح الهاشم المحامي





عام 1985 وما بعده، أثارني تقرير طبي نشرته إحدى الدوريات الأجنبية، حول تأثير النيكوتين في المدخنين الصغار. وكشف التقرير - الذي نشرته جريدة صانداي تايمز اللندنية - حملة تسويق بلغت قيمتها بضعة ملايين من الدولارات، شنتها شركة بريتش أوريكان توباكو (BAT)؛ لبيع سجائر رخيصة وشديدة الخاصية الإدمانية في أفريقيا، حيث الأسواق السهلة الخالية من الضوابط - وهي سجائر ذات مستويات من القطران والنيكوتين أعلى مما هو مسموح به في الغرب.نشر هذا التقرير بعد ذلك في كتاب «ردع الديمقراطية»، لمؤلفه نعوم تشومكي - ترجمة فاضل جتكر- الصادر عن مؤسسة عيبال للدراسات والنشر - قبرص - نيقوسيا الطبعة الأولى 1992 ص 130.عند قراءتي لهذا التقرير للمرة الثانية خلال أقل من سبع سنوات، استذكرت حين قدمت محاولة التصدي لهذا الأمر، وفي ذلك الوقت كتبت عدة مقالات منعت من النشر، حيث أكتب لدى جريدة «القبس» آنذاك، ولأسباب لا تخفى عن القارئ من جهة، وحرصا على الرعاية الإعلامية والإعلانات من شركات السجائر من جهة أخرى. بل أذكر - وتلك فكرة خارج سياق المقال - أنني وغيري كان يمنع ما نكتبه عن عدة شركات ومؤسسات للحكومة فيها نصيب، منها البنك الوطني وبيت التمويل والصندوق الكويتي للتنمية ومؤسسة الخطوط الكويتية، بالإضافة إلى شركات سيارات محدودة - وقد تطول قائمة المحظورات الكتابية في ذلك العهد السابق.ما علينا، ونعود الآن إلى الفضيحة حول اختلاف كمية النيكوتين في بلاد العالم الثالث عشر والذين نحن منهم، وبلاد «الأوادم السنعة» الذين يحرصون على ضبط هذه النسب. وعندما بح صوتي من المناداة، قررت اتخاذ إجراء عملي، وهو رفع دعوى أمام القضاء الكويتي؛ لوقف هذه الممارسات. وكان يتعين عليّ توفير المستندات والأدلة لإثبات ذلك، فقمت بشراء عدة علب سجائر من السوق المحلي الكويتي لماركات مختلفة، ثم سافرت إلى لندن، واشتريت ذات النوعية من السجائر، وذهبت إلى أحد المختبرات الخاصة هناك؛ لمقارنة نسب النيكوتين في كلتا السلعتين.وبالطبع، ظهرت النتيجة بما كنت أخشاه، وهي تركيز عال للنيكوتين في السجائر المشتراة من الكويت، والذي يسبب الإدمان السريع للمراهقين، مع نقص شديد للمادة ذاتها في السجائر المشتراة من لندن.فرحت بالنتيجة «فرحة أم بنت» - كما يقولون - وعدت إلى الكويت، ورفعت الدعوى. واختصمت بها بعض شركات السجائر التي ورد اسمها في التقرير.ومن أسف، تم رفض الدعوى لسببين استند إليهما الحكم. الأول: عدم التصديق الرسمي على التقرير من الجهات الحكومية الكويتية، والتي رفضت بتاتا التصديق عليه حين محاولتي ذلك. والثاني: عدم وجود مصلحة مباشرة لي، إذ لم تثبت إصابتي بأي مرض من جراء ذلك، ولاسيما أنني لست مدخنا أصلا.كانت هذه القضية أحد الأسباب الرئيسة التي جعلتني أفكر في إنشاء جمعية حماية المستهلك، وكان قدوتي في ذلك المحامي الأميركي البارز آنذاك «رالف نادر - الذي يرأس حزب الخضر»، حيث كان رئيسا لجمعية حماية المستهلك الأميركية. ومن أسف لم أستطع إقناع أحد بالفكرة، أو جدواها.وبعد مضي أكثر من 25 عاما، دعانا الصديق العزيز محمد نقي إلى إنشاء جمعية مشابهة، فتحمست وذهبت للاجتماع التأسيسي، فوجدت أن أكثر من 45 شخصا من عدد الحضور (البالغ 50 شخصا)، هم من التجار وأصحاب الوكالات التجارية التي أنشئت الجمعية أصلا لحماية المستهلك منهم.ومنهم - لسخرية القدر- أبناء من كانوا يملكون ولايزالون وكالات السجائر.وحتى تاريخه، لايزال المدخنون المحترفون يشعرون بقوة وحرارة السيجارة ذات الماركة حين يشترونها من الكويت، وحين يدخنونها في بلد الأوادم السنعة، وما زلت أرى وأشاهد - بكل حزن - مجاميع الشباب والشابات دون سن العشرين وهم يتباهون بالتدخين؛ حتى يصلوا إلى مرحلة الإدمان من دون أن يحرك أحد ساكنا، ولاسيما وزارة التجارة أو حتى.. لجنة الظواهرالسلبية بمجلس الأمة!


تاريخ النشر: 25/12/2011 09:19






الأحد، 3 يونيو 2012

جلباب نانسي خطر على الأسرة


محمد العوضي: جلباب نانسي خطر على الأسرة!*



د. محمد العوضي**

د.محمد العوضي
يشير الباحثون إلى أن وسائل الإعلام تقدم واقعها الخاص الذي كثيرًا ما يأتي مغايرًا -إن لم يكن منحرفًا- عن الواقع الحقيقي المحيط بالفرد، ومن ثَم ظهر اتجاه بحثي في دراسات الاتصال يعنى بتحليل سمات واقع وسائل الإعلام، خاصة تلك التي تقدم بيئة حية مثل التلفزيون والسينما؛ وذلك لرسم هذا الواقع ورصد الصورة النمطية التي تسم جوانب هذا الواقع مثل السمات الشكلية للأشخاص وسماتهم القيمية التي تحكم علاقاتهم.
وأشارت نتائج الدراسات التي أجريت في بلاد مختلفة وعلى فترات زمنية متغايرة إلى وجود نوع من التنميط للأدوار التي يقوم بها الفرد في عالم السينما والتلفزيون بناء على جنسه، كما يوجد نوع من التنميط Stereotyping أيضًا للسمات الجسدية لكل من المرأة والرجل، حيث اتفق المنتجون على اختلاف ثقافاتهم - على وضع المرأة في برواز يجذب المتلقي ويبيعه السلعة أو الفكرة أو يعطيه إشباع الحصول على جو نفسي وواقع يريحه من واقعه المليء بالتعقيدات.
صورة نمطية
ويمكن تناول هذه الصورة النمطية التي تظهر من خلالها المرأة في وسائل الإعلام المرئية من حيث كل من الشكل ونسق القيم الذي تقدمه، ثم نتناول انعكاسات هذه الصورة على المتلقي والمجتمع ككل والأسرة.
أولاً: صورة المرأة من حيث الشكل:
ألحت على مخرجي الأعمال الدرامية فكرة العناية بالمواصفات الجسدية للأنثى التي تؤدي الأدوار الرئيسية والثانوية في المسلسلات والأفلام، ففي دراسة تم خلالها تحليل مجموعة من المسلسلات الأمريكية وجد الباحثون أن 69% من الشخصيات النسائية توافرت فيهن صفة الرشاقة، في حين أن هذه السمة لم تتوافر إلا لدى 17% من الرجال الذين كانوا من ذوي القوام الرياضي في المسلسلات. كما يلاحظ في الأعمال الدرامية أن الرجال يشيخون إذا كانت الأحداث ممتدة على مدى زمني كبير في حين لا يمر الزمن على النساء، فتظل الأنثى محتفظة بشكلها الجذاب حتى وإن تعارض ذلك مع المنطق الدرامي للأحداث.
ومن الغرب إلى الشرق تثبت الصورة النمطية لشكل الأنثى الذي تحرص الشاشات على إبرازه، ففي دراسة عن محتوى الإعلانات التلفزيونية في اليابان اتضح وجود اختلاف بين صورة كل من المرأة والرجل.
فالمرأة التي تقدمها تلك الإعلانات اليابانية إما صغيرة تجذب انتباه الآخرين، أو شخصية مشهورة شابة وجذابة، أو ربة بيت جميلة وفي صور الشباب أيضًا.
أما الرجل الياباني كما قدمته الإعلانات فهو إما في منتصف العمر ومن أصحاب المهن، أو من الشيوخ الذين يستمتعون بخصوصيتهم.
وفي دراسة بريطانية قديمة (1980) تم تحليل صور النساء التي احتلت صفحات الغلاف للمجلات الإنجليزية وجدت الباحثة (فيرجسون) أن الصورة الأكثر تقديمًا للمرأة على غلاف المجلات هي الوجه الحالم للمرأة ثقيل الجفون والذي يعطي إيحاء بأنها متاحة available أو تعطي إيحاء بالدعوة invitation للاقتراب.
كذلك أشارت الدراسات إلى وجود سمتين أساسيتين في شكل بطلات المسلسلات وفتيات الإعلانات، وهما: الطول والرشاقة أو -إن شئت- النحافة، حيث وجدت إحدى الدراسات أن النساء اللاتي يقدمن في البرامج والمسلسلات والإعلانات حاليًّا يزدن في متوسط الطول وينخفضن في متوسط الوزن عن النساء اللائي كن يظهرن في التلفزيون، تختلف كثيرًا عن السمات الجسدية للنساء في العالم الحقيقي، كما أن هذه السمات الجسدية المفرطة في النحافة (الممثلة بطلة مسلسل آني ماكييل كانت تغازل في المسلسل؛ لأنها ترتدي ملابس مقاس صغير "أصغر مقاس نسائي") تتعارض مع التكوين البيولوجي للفتاة التي تحتاج إلى وجود نسبة من السمنة fat في جسمها في بداية البلوغ  menarche.
هذا التركيز على سمتي الطول والنحافة في الأنثى تحول إلى معيار لقياس جمال المرأة، حيث قام باحث بتحليل أوزان وأطوال الحائزات على لقب ملكات الجمال على مدى عشرين عامًا، فوجد أن الأوزان تقل والأطوال تزيد (مما يعني مزيدًا من النحافة) مع مرور الوقت وصولاً إلى وقتنا الحالي.
بالتالي فإن النتائج تكاد تتفق على أن النساء في عالم التلفزيون لا تمثلن النساء في العالم الحقيقي سواء من حيث الشكل أو العمر، ومن ناحية أخرى فإن المرأة التلفزيونية صارت هي الأيقونة التي تحدد معايير الجمال في الواقع الحقيقي، ومن ثَم فإنه من اللافت للنظر أن تتحول غالبية الجنس الناعم في محطات التلفزيون العربية إلى شقراوات زرق العيون سواء بالنسبة للمذيعات أو فتيات الأغاني أو الممثلات، وهو ما لا يتفق مع السمات الشكلية، ولكنه ينسجم مع معايير الجمال السائدة.
وفي دراستين أجريتا بكل من كينيا وزامبيا كان النحول والطول أيضًا صفتين شائعتين بين نساء عالم التلفزيون، ولكن بالطبع يمكن أن نقول إن ذلك ربما اقترب من التكوين البيولوجي للفتاة الأفريقية.
هذا الإلحاح على تقديم المرأة داخل إطار شكلي معين ظل مستمرًّا على الشاشة أو صفحات الغلاف، بمعنى أن هذا الاتجاه تصاعد في شدته دون أن يتغير إلى النقيض، في حين أن صورة الرجل أو الشخصية الذكورية المحورية في الدراما شابها التحول في العقد الأخير مقارنة بالتقاليد الهوليودية الكلاسيكية، فبعد أن كان الشخص المسيطر هو القوي مكتنز العضلات صار الرجل الناعم Soft man أو الشاذ جنسيًّا Gay هو المسيطر أو الشخصية المحورية.
أما الشخصية المحورية الأنثوية فظلت محتفظة بشروط الملاحة والرشاقة حتى وإن كان سلوك الشخصية الأنثوية عنيفًا أو مسيطرًا (مثل المرأة الخارقة التي تحل المشاكل وتصرع الشر بالقوة، أو نجلاء فتحي في فيلم "المرأة الحديدية" التي تنتقم من الشر بتعلم الكاراتيه.
ثانيًا: صورة المرأة من حيث الموضوع أو القيم:
خضعت الأدوات التي تؤديها النساء في عالم التلفزيون إلى درجة عالية من التنميط والحصر داخل قوالب محدودة، وهي نتيجة طبيعية للتعامل مع المرأة كجسد ذي سمات مطلوبة ومرسومة، فإذا نظرنا إلى الإعلانات مثلاً لوجدنا أن المرأة يستعان بها في إعلانات السلع الاستهلاكية التي لا ترتبط بالضرورة بالأنثى مثل المشروبات الغازية والأثاث والأطعمة مثل البسكويت والشيكولاتة واللبان، في حين أن الرجل يعرض أكثر في إعلانات الخدمات، وبالتالي السلع الإنتاجية، مثل البنوك والتأمين وأجهزة الحاسب الآلي، ويعتبر هذا النمط في تقديم الذكر والأنثى في الإعلانات أمرًا متفقًا عليه بين الكثير من أنظمة الإعلام في العالم، إلا إذا كان للثقافة المحلية دور أو طبيعة تتعارض مع هذا النمط، حيث وجدت إحدى الدراسات أن إعلانات الأطعمة في إيطاليا تعتمد على الرجال بشكل كبير.
ازدواجية التناول
الأمر الآخر اللافت للنظر أن المرأة في عالم التلفزيون كما يقدمها الغرب لا تعكس القيم الليبرالية التي يتبناها الغرب من حيث المساواة بين الجنسين في الحقوق وفرص العمل والإرث وغير ذلك، حيث أظهرت عدة دراسات حول القيم المصاحبة للشخصيات النسائية في الإعلان أن المرأة غالبًا ما تظهر في الإعلان قليلة الحيلة أو تقف بانتظار الموافقة أو المكافأة من الرجل، كما أشارت باحثة أمريكية (فان إيفرا، 1990) إلى أن المرأة في عالم الدراما تظهر مفرطة في العاطفة، ومعتمدة على الرجل، في حين أن الرجل هو الذي غالبًا ما يظهر بصورة الساعي على إطعام وكفالة الأسرة Bread – winner.
كذلك تشير دراسات أخرى إلى أن وظائف النساء في الإعلام التلفزيوني غالبًا ما تأتي في فئة محددة من الأعمال: الممرضة - الخادمة - السكرتيرة - عارضة الأزياء Model - النادلة، أما الوظائف العليا أو أصحاب النفوذ السياسي أو المالي في إعلام التلفزيون فتأتي حكرًا في الأغلب على الرجال، وعندما تشغل المرأة منصبًا مرموقًا تجدها مهملة لأسرتها أو فاشلة اجتماعيًّا. كذلك أشارت دراسة تحليلية عن الأخبار في شبكات التلفزيون الأمريكية إلى أن الرجال يمثلون غالبية الخبراء أو المحللين والمعلقين الذين يظهرون في الأخبار، كما أن المراسلين هم الأكثر ظهورًا وتغطية للأخبار الجادة (السياسية - الاقتصادية - العلمية) من المراسلات الإخباريات.
أما المرأة في عالم الدراما فهي أكثر وعيًا بجسدها، وأكثر اعتمادًا عليه في تطوير الصراع الدرامي ومن ثَم حل الصراع، حتى النساء اللائي اعتمدن على القوة الجسدية في مواجهة الشر استخدمن جمالهن في استدراج الأشرار والإيقاع بهم. والاعتماد على القدرات الأنثوية غالبًا ما يأتي مغلفًا بالذكاء و"استهبال" الرجل الذي يندفع نحو غرائزه، وأحيانًا أخرى كان يأتي كوسيلة لارتقاء السلم الاجتماعي بسرعة وتحسين الأوضاع المعيشية أو المهنية والسلوكية.
ثالثًا: الآثار الوجدانية للصورة النمطية للمرأة:
هناك أكثر من نظرية تشرح وتتوقع كيف تؤثر سمات عالم الإعلام المرئي على اتجاه الفرد نحو ذاته والآخرين، وكذا على سلوكه في العالم الحقيقي، وربما كانت نظرية التعلم الاجتماعي social Learning لـ"بندورا" من أوائل النظريات التي تناولت هذا التأثير، حيث أشار إلى أن البشر -خاصة في المراحل العمرية المبكرة- يكتسبون المعرفة، ومن ثَم السلوك من خلال التعلم بالمحاكاة أو التقليد. ونظرًا لأن الواقع الاجتماعي الذي يقدمه التلفزيون له جاذبيته من ناحية، ويتكرر يوميًّا من ناحية أخرى، فإنه من المتوقع جدًّا أن يحاكي المتلقي القيم وأنماط السلوك التي يتعلمها من عالم التلفزيون وينقلها إلى واقعه الحقيقي.
كذلك تشرح نظرية "التكييف الاجتماعي" social conditioning جانبًا آخر لتأثير وسائل الإعلام؛ لأن طبيعة الصورة النمطية التي يقدمها التلفزيون أنها تصبح جزءاً من القيم التي يعتنقها الفرد لا شعوريًّا؛ نظرًا لأنها تكرر وترسخ معها أنماطًا للسلوك الذي يجعلها مألوفة، أي أن التلفزيون يوجد نوعًا من التكييف للأفكار والقيم لتصبح في النهاية مقبولة اجتماعيًّا، حتى إن اصطدمت في البداية بالقيم والأفكار السائدة في المجتمع.
هذه التوقعات أيدتها دراسات كثيرة اختبرت تأثير الصورة النمطية للمرأة على الاتجاهات والسلوك.
آثار سلبية
فالصورة النمطية لجسد المرأة في التلفزيون كانت ذات أثر سلبي على المشاهدات، حيث ارتفع معدل الإحباط وعدم الرضا عن الذات لدى الفتيات عندما يقارنَّ بين أجسادهن وأشكالهن وما يرينه على الشاشة، كما ارتفع متوسط الإنفاق على إجراءات إنقاص الوزن لدى الكثير من السيدات مقارنة مع متوسط الإنفاق من أجل الغرض ذاته في عقود سابقة.
كذلك استخدمت الصورة النمطية للمرأة وسيلة لترويج السلع وإدخال تيارات جديدة من السلوك في المجتمعات، حيث اعتمد المعلنون على بيع الصورة الذهنية Image لترويج السلعة، مثل الإعلانات التي كانت تقدم المرأة المدخنة في الولايات المتحدة في الخمسينيات على أنها الأكثر جاذبية، وبالتالي تم الترويج لنوع من السجائر باعتباره مخصصا للمرأة المدخنة.
وفي دراسة على عينة من 166 مراهقة هولندية ظهر أن الفتيات اللائي يشاهدن الدراما التي تقدم الأمهات باعتبارهن ربات بيوت يقدمن سعادة الأطفال ويضعنها في المقام الأول كان لديهن (أي الفتيات) تصورات ذهنية مطابقة لما تقوم به الأمهات في الحقيقة، كما انطبقت هذه الصورة على الدور الذي يردن أن يقمن به عندما يصبحن أمهات، وتشير هذه النتيجة إلى تأثير الدراما على المشاهد من خلال التقمص الوجداني والميل إلى المحاكاة.
وكثير من الموضات أو الصراعات كانت وسائل الإعلام هي منصة الإطلاق لها والمروج لها إما بشكل مباشر أو غير مباشر، مثل قَصة الشعر التي أخذت اسم الفيلم الذي ظهر فيه البطل بهذا الشكل (أحمد زكي في فيلم كابوريا)، أو الجلباب الحريمي الذي ظهرت به إحدى المطربات في فيديو كليب شهير (جلباب نانسي عجرم، وهي دعاية استخدمتها كثير من المتاجر في القاهرة)، والأمثلة كثيرة.


تمت الإضافة بواسطة : علي المسعودي
@allmasoudi

نشرت المقالة بتاريخ:
14/12/2004